أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

52

التوحيد

وعلى ذلك قيل في العبارات : هي أمره ، وإنما كانت به ، لا أنها هو ، ومثله يتكلم بعلمه وقدرته على إرادة معلومه ومقدوره ؛ إذ ذلك سببه ، فمثله الأول ، ولا قوة إلّا باللّه . والثاني يرجع معناه إلى ذاته مما عجز الخلق عن الوقوف على مراد ذاته إلا به ، وإن كان يتعالى عن الحروف التي بها يفهم ، وذلك أيضا يختلف باختلاف الألسن على إرادة حقيقة ذاته به ، وذلك نحو الواحد ، اللّه ، الرحمن ، الموجود ، والقديم ، والمعبود ، ونحو ذلك . والثالث يرجع إلى الاشتقاق عن الصفات من نحو العالم القادر ، مما لو كانت في التحقيق غيره لاحتمل التبديل ، ولصارت التسمية على غير تحقيق المعنى المفهوم ، ولجازت تسميته بكل ما يسمى غيره إذا لم يرد تحقيق المفهوم من معناه ، ولا قوة إلّا باللّه . مع ما يسأل من يجعل هذه الأسماء حادثة ، ثم لا تحقّق للّه علما في الأزل إذ كيف كان أمره قبل الخلق ، أكان يعلم ذاته أو ما يفعل أو لا ؟ وكذلك أكان يعلم ذاته شيئا أو لا يعلمها ؟ فإن كان لا يعلمها ، فهو إذا جاهل حتى أحدث العلم له فصار به عالما ، وإن كان يعلمها ، فإذا بعلم ذاته عالما أو لا ؟ فإن كان بعلم ذاته عالما فلزم القول بهذا الاسم في الأزل ، وفي غيريّة الاسم فساد التوحيد . والأصل على قول منكري الصفات إذ لم يكن له هذا الاسم ، ولم يكن له صفة هي علم يعلم ذاته في الأزل يجب ما قاله جهم بنفي الأسماء والصفات وحدثها ، فيكون غير عالم ولا قادر ثم علم ، جل اللّه عن ذلك وتعالى . ثم يسأل كيف كان إن علم أنه كان كذلك في الأزل ، فيلزمه الاسم كذلك ، أو علم أنه لم يكن ، فيلحقه اسم الجهل ، وهو بقولهم لازم ؛ لأن تأويل العالم عندهم نفي الجهل ، فإذا لم يكن عالما في القديم فهو إذا عند ذلك كان جاهلا ، ولا قوة إلّا باللّه . بم يكلم في العلم ؟ إذ لم يكن حتى كان إن حدث ، فيجب ذلك في كل شيء ، مع ما يقال : كيف حدث به ولم يكن له قدرة ؟ أو بغيره ، فيبطل به توحيدهم . ثم يقال له في الفصل الذي ذكرت : إنه كان يعلم ذاته قبل الخلق أو لم يكن له علم في الحقيقة ، كيف كان يعلم ذاته ؟ فإن كان بعلم ذاته عالما بطل قوله بحدث الاسم ، وإن قال : غير عالم ، ولا قادر عليه ، دخل عليه جميع ما ذكرت ، مع إحالة الوصف له بالعلم به في الأزل ، مع فساد ما بيّنا في الحدث ، وإن قال من بعد : بغيره ، رآه ممن يعترض فيه العوارض ، به تكوّن العالم ، وفي ذلك موافقة الدهرية « 1 » في

--> ( 1 ) الدهرية : فرقة من الكفار أخبر اللّه تعالى عنهم في القرآن الكريم بقوله : وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا